وعد الذكاء الاصطناعي

ملخص تقرير
المصدر: البنك الدولي — تقرير التنمية في العالم 2026

1الرؤية العامة

يقدّم تقرير التنمية في العالم 2026 الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة تنموية تاريخية لنحو 6.8 مليار شخص في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. لا تتمثل الفرصة أساسًا في منافسة الاقتصادات الغنية على بناء أضخم النماذج، بل في توسيع الوصول إلى المعرفة والمهارات النادرة ورفع إنتاجية الأفراد والمنشآت والحكومات. ويعامل التقرير الذكاء الاصطناعي كتقنية للأغراض العامة مثل الكهرباء والإنترنت، لكنه ينتشر أسرع بكثير. ويشرح أثره عبر ثلاثة مفاتيح: القدرات، والتركّز العالمي لسلسلة القيمة، والمكملات من بنية تحتية ومهارات وبيانات ومؤسسات.

2التبنّي والتكييف ثم التقدم

المسار المقترح ثلاثي: استخدام الأدوات الجاهزة، ثم تكييفها مع اللغة والبيانات والقوانين المحلية، ثم المشاركة في تطوير حدود التقنية عندما تسمح الموارد. التقدم هو الأغلى؛ إذ يحتاج رقائق متقدمة ومراكز بيانات ضخمة وبيانات ومواهب عالمية. ويورد التقرير أن إنفاق كبار مشغلي البنية السحابية الأمريكية على الذكاء الاصطناعي في 2026 يُتوقع أن يتجاوز 750 مليار دولار. لذلك تكون التطبيقات الجاهزة والنماذج الصغيرة أكثر واقعية لمعظم الدول النامية. ويعرض التقرير أمثلة لذكاء اصطناعي صغير في الزراعة والصحة والتعليم؛ ففي غانا حقق نظام Rori نتائج تقارب سنة من تعلم الرياضيات بتكلفة تقارب 5 دولارات للطالب.

3القدرات وندرة المهارات

يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ مهام معرفية غير روتينية كانت تتطلب خبرة بشرية، مثل التشخيص والتحليل والتنبؤ والكتابة والترجمة والبرمجة. وهذا مهم حيث يندر الأطباء والمعلمون والمرشدون الزراعيون والمحللون. يمكن للتقنية أداء بعض المهام الخبيرة أو تمكين عامل أقل تخصصًا من أدائها، وخفض حاجز الدخول إلى بعض الأعمال وزيادة الإنتاجية. كما تمتد الفائدة إلى البنية التحتية عبر التنبؤ بالأحمال وإدارة المرور والصيانة التنبؤية واكتشاف التسربات. لكن القدرة نفسها قد تؤتمت وظائف وتضعف التعلم عند الإفراط في الاعتماد عليها، وتزيد الاحتيال والتزييف العميق والهجمات السيبرانية.

4التركّز وسلسلة القيمة

تتكون المنظومة من العتاد والبنية الحاسوبية والبيانات والنماذج والتطبيقات، وتضيف سلسلة القيمة المعادن والطاقة والمياه والعمل. تتركز الطبقات المتقدمة خصوصًا في الولايات المتحدة والصين، مع أدوار متخصصة لتايوان والصين وهولندا وكوريا الجنوبية. يصعب اقتحام الحدود التقنية بسبب رأس المال واقتصاديات الحجم وتجمع المواهب، لكن توجد فرص للدول النامية في التجميع والاختبار والتغليف والرقائق الناضجة والمعادن والتطبيقات المحلية. كما أن الخدمات السحابية والنماذج المفتوحة تخفض كلفة التبنّي والتكييف، مع ضرورة تنويع الموردين وقابلية التشغيل البيني لتقليل الارتهان.

5الوظائف والإنتاجية

يقدّر التقرير أن نحو 4.5% من وظائف البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل قابلة للأتمتة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مقابل 14.2% في الدول مرتفعة الدخل، بينما يمكن أن يعزز الذكاء الاصطناعي نحو 16.2% من وظائف الدول النامية بدل استبدالها. الاضطراب يتركز في الخدمات المعرفية والوظائف المبتدئة والتعهيد، بينما تستطيع المنشآت الصغيرة اكتساب قدرات إدارية وتسويقية وتحليلية جديدة. لكن التبنّي غير المتكافئ قد يوسع فجوات الإنتاجية؛ فالشركات الأفضل إدارة وابتكارًا واتصالًا بالأسواق هي الأكثر ميلًا للاستخدام المتقدم.

6الخدمات العامة

يميز التقرير بين الواجهة الأمامية للخدمة العامة والأعمال الخلفية مثل التنبؤ والاستهداف والتحليل. الاستخدام الخلفي قد يكون بداية أسهل لأنه يعتمد على فرق متخصصة وبيانات مركزية. في كينيا استُخدم الذكاء الاصطناعي لتوزيع أكثر من 10,000 قضية سنويًا على أكثر من 1,500 وسيط. وفي بنغلاديش زاد عدد المرضى المفحوصين لمضاعفات السكري بنحو 40% يوميًا. وفي البرازيل خفّض نظام VICTOR زمن التحقق من أهلية الطعن من 40 دقيقة إلى 5 ثوانٍ. لكن الأدلة في الخدمات عالية المخاطر ما زالت محدودة، لذلك يشدد التقرير على التقييم قبل التوسع.

7السياسة والجغرافيا السياسية

يعيد الذكاء الاصطناعي توزيع القوة بين الدول والحكومات والشركات والأفراد. السيطرة على الرقائق والحوسبة والنماذج تمنح الأطراف الرائدة نفوذًا. ويرى التقرير أن بناء كل طبقات السلسلة محليًا تحت شعار السيادة الكاملة غير عملي لمعظم الدول؛ والبديل هو تنويع الموردين والنماذج المفتوحة والحوسبة الإقليمية وقابلية التشغيل البيني. كما قد تتركز المكاسب لدى أصحاب رأس المال، وقد تتوسع المراقبة والتلاعب بالمعلومات، بينما يمكن في المقابل استخدام التقنية للتحقق من المعلومات وكشف الفساد وتعزيز الشفافية.

8المكملات والحوكمة

الكهرباء والإنترنت والأجهزة ومحو الأمية والمهارات والبيانات والحوسبة والمؤسسات هي شروط النجاح. ففي أفريقيا جنوب الصحراء، يورد التقرير أن 32% من المدارس الريفية كانت بلا وصول منتظم للكهرباء و68% بلا إنترنت ثابت، وأن 89% من الأطفال في سن العاشرة لم يستطيعوا قراءة نص بسيط وفهمه. لذلك لا يعوض التدريب المتقدم ضعف الأساس. وعلى الحكومات كممكّن الاستثمار في هذه المكملات، وكمستخدم تهيئة البيانات وبناء قدرة الموظفين على الشراء والتقييم، وكمُنظّم البدء بمعايير طوعية وتطبيق القوانين القائمة ثم سد الفجوات بقواعد مرنة وقدرة تنفيذ حقيقية.

9الخلاصة

لا يحاول التقرير حسم موعد الوصول إلى ذكاء عام اصطناعي، بل يسأل كيف تستخدم الدول التقنية لتحسين حياة الناس. الأولوية للدول النامية ليست مطاردة الهيبة التقنية، بل توسيع قدرات الناس والمنشآت والحكومات. يبدأ ذلك بتعليم جيد وكهرباء واتصال وبيانات ومؤسسات فعالة، ثم تبنّي الأدوات التي ثبتت فائدتها، وتكييفها مع اللغة والقانون وطرق العمل، والاستثمار الانتقائي في التقدم التقني. الفرصة كبيرة، لكن انتشار التقنية قبل تطور المكملات والحوكمة قد يضاعف التفاوت والاعتماد والمخاطر. الرسالة النهائية: التحرك الآن بعناية ومن دون تأخير؛ تبنَّ ما يعمل، وكيّفه محليًا، وقيّمه باستمرار.

12السياق المحلي

يشدد التقرير على أن أداء نموذج الذكاء الاصطناعي لا ينتقل بالضرورة من بلد إلى آخر أو من مؤسسة إلى أخرى. فالقدرات التي يظهرها النموذج ناتجة عن البيانات التي تعلم منها، وإذا كانت هذه البيانات لا تمثل السكان أو اللغة أو البيئة المهنية الجديدة فقد تظهر أخطاء أو تنخفض الفائدة. ويعرض التقرير مثالًا لأداة طبية طُورت في المملكة المتحدة لفرز المرضى المشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا، ثم تراجع أداؤها عند اختبارها على بيانات من فيتنام بسبب اختلاف الخصائص السكانية. ويورد مثالًا آخر لأداة لفحص مضاعفات السكري في العين رفضت أكثر من 20% من الصور التي التقطتها الممرضات لأن ظروف الإضاءة في العيادات اختلفت عن ظروف الصور التي دُرب عليها النموذج. هذه الأمثلة توضح أن شراء أداة ناجحة في مكان آخر ليس نهاية المهمة. التكييف قد يتطلب بيانات محلية، ومعرفة بالممارسات المهنية، وتعديلات على واجهة الاستخدام، ومراعاة اللغة والأجهزة والاتصال. ولهذا يضع التقرير التكييف في منزلة مستقلة بين التبنّي والتقدم: فالتبنّي يفتح باب الاستفادة، لكن التكييف هو الذي يحول الأداة العامة إلى حل مناسب لمشكلة محلية، من دون الحاجة بالضرورة إلى تدريب نموذج متقدم من الصفر.

13الذكاء الاصطناعي الصغير

يقدم التقرير مفهوم «الذكاء الاصطناعي الصغير» بوصفه مسارًا مهمًا للبلدان التي لا تملك حوسبة ضخمة أو اتصالًا دائمًا أو موارد لبناء نماذج حدودية. المقصود حلول موجهة إلى مهمة محددة ومبنية حول قيود البيئة التي ستعمل فيها، بدل افتراض وجود أجهزة متقدمة واتصال مستمر. يعرض التقرير تطبيقات لتشخيص أمراض المحاصيل، وفحص السل من صوت السعال، ودعم الأمهات، والتعليم. ومن أمثلته نظام Rori في غانا لتعليم الرياضيات، الذي حقق نتائج تقارب سنة من التعلم عبر جلستين أسبوعيتين مدة كل منهما 30 دقيقة على مدى ثمانية أشهر، بتكلفة تقارب 5 دولارات للطالب. قيمة هذه الحلول أنها تربط التصميم بالمشكلة التنموية وبالمكملات الموجودة فعلًا. وهي لا تلغي الحاجة إلى البيانات أو المهارات أو التقييم، لكنها تخفض متطلبات الحوسبة والنشر مقارنة بالحلول الأكبر. ويربط التقرير هذا المسار بالتكييف: فالدول تستطيع الحصول على قيمة كبيرة من نماذج وتطبيقات متخصصة قبل أن تمتلك القدرة أو المبرر الاقتصادي للمشاركة في سباق النماذج الأكثر تقدمًا، ويمكن أن يكون التركيز على مشكلة محددة أكثر ملاءمة للموارد والاحتياجات المحلية.

14الشركات الصغيرة وانتشار الاستخدام

يرى التقرير أن الذكاء الاصطناعي قد يخفض تكلفة قدرات كانت في السابق متاحة بصورة أكبر للشركات الكبيرة. فالأعمال الصغيرة تستطيع استخدام الأدوات في تنظيم الشؤون المالية وخدمة العملاء وإعداد المواد التسويقية والوصول إلى أسواق خارجية. وتظهر بيانات مسح البنك الدولي بشأن تبنّي الذكاء الاصطناعي في مجموعة من الاقتصادات النامية أن الاستخدام ليس محصورًا في الشركات الكبرى، وأن روبوتات المحادثة دخلت بالفعل إلى أنشطة عدد من الشركات الصغيرة. لكن الانتشار غير متساوٍ؛ فالشركات ذات الإدارة الأفضل، والسجل السابق في ابتكار المنتجات أو العمليات، والوصول الأفضل إلى الأسواق والعمالة، أكثر ميلًا إلى تبنّي التقنية. ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية بعض الشركات وفي الوقت نفسه يوسع الفجوة بينها وبين الشركات الأضعف إذا لم تتوافر المعرفة والمهارات والبنية اللازمة للتبنّي الأوسع. ولهذا لا يقيس التقرير النجاح بعدد المشاريع التجريبية أو الأدوات المتاحة، بل بقدرة الاقتصاد على نقل الاستخدام من مجموعة متقدمة إلى قاعدة أوسع من المنشآت وعلى تحويله إلى تحسينات مستدامة في العمليات والإنتاجية والنمو.

15فرص داخل سلسلة القيمة

لا يحصر التقرير الفرصة في استخدام النماذج والتطبيقات. فالدول النامية تشارك بالفعل في حلقات متعددة من سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي. يشير التقرير إلى أن نحو نصف الصادرات العالمية من المنتجات المستخدمة في بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي تأتي من بلدان نامية، ويذكر الصين والمكسيك وماليزيا وفيتنام وتايلاند ضمن الاقتصادات التي استفادت من الاستثمار في أشباه الموصلات والإلكترونيات ومعدات مراكز البيانات. كما يناقش دور المعادن الأساسية؛ فبعض المواد الضرورية للرقائق تتركز في اقتصادات نامية، لكن استخراج المادة الخام وحده لا يضمن الحصول على الجزء الأكبر من القيمة. فقد تتطلب الاستفادة بنية نقل ومعالجة وموانئ وقدرات صناعية. ويعرض التقرير ماليزيا مثالًا على إمكانية الانتقال تدريجيًا من التجميع والاختبار والتصنيع إلى أنشطة أكثر تقدمًا. الرسالة ليست أن كل دولة ينبغي أن تدخل كل حلقة، بل أن عليها تحديد الأجزاء التي تتوافق مع قدراتها الحالية ومزاياها، ثم بناء المكملات التي تسمح بالصعود داخل السلسلة بدل محاولة بناء منظومة كاملة دفعة واحدة وبكلفة لا تتناسب مع مواردها.

16الحكومة كمستخدم

يفرد التقرير دورًا للحكومة بوصفها مستخدمًا، لا مجرد منظم للسوق. نقطة البداية هي اختيار المشكلة المناسبة ومطابقة الحل مع قدرة الجهة على تشغيله وصيانته. فالأداة التي تحتاج خبرة تقنية مستمرة أو بيانات عالية الجودة قد تفشل داخل جهة لا تملك هذه الموارد، حتى لو نجحت في بيئة أخرى. لذلك يدعو التقرير إلى الاستثمار في قدرات الموظفين، ورقمنة البيانات الإدارية وجعلها قابلة للاستخدام في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وربط البنية الرقمية العامة بما يسمح باستخدام البيانات بصورة مسؤولة. كما يركز على التقييم والمراقبة بعد الإطلاق، لأن أداء النموذج وحده لا يثبت أن الخدمة تحسنت. يجب فحص أثر النظام في المستخدمين والنتائج والتكاليف والانحياز والآثار غير المقصودة. وتصبح المشتريات الحكومية عنصرًا حاسمًا: ينبغي أن تحافظ العقود على قدرة الحكومة على الوصول إلى البيانات والمعلومات اللازمة للتقييم والتغيير، وأن تتجنب الارتهان لمورد واحد عندما تتشابك الأنظمة مع بيانات الجهة وسير عملها. ويعامل التقرير الذكاء الاصطناعي الحكومي بوصفه وظيفة تشغيلية مستمرة تحتاج تمويلًا وصيانة وتحديثًا، لا مشروعًا تقنيًا ينتهي بمجرد الشراء.

17المشتريات والاختبار

تنبع أهمية المشتريات من أن الحكومات قد تعتمد على شركات خاصة في بناء الأنظمة، بينما تكون قدرتها الداخلية على تقييم ادعاءات الموردين محدودة. ويشير التقرير إلى أن انخفاض السيطرة والشفافية في الحلول المشتراة قد يجعل من الصعب فهم الأداء والمخاطر، وأن الخروج من نظام تجاري يصبح أكثر كلفة عندما تمتص المنظومة بيانات المؤسسة وتتداخل مع سير العمل. ويمكن للعروض التجريبية المجانية والعقود الحصرية والميزات المجمعة أن تزيد هذا الارتباط. لذلك لا ينبغي أن يكون السعر الأولي وحده هو معيار القرار؛ فموقع المشتري التفاوضي على المدى الطويل، وقابلية نقل البيانات، وإمكان تغيير المكونات أو الموردين، عناصر أساسية. كما يدعو التقرير إلى توجيه الاستثمار العام نحو عدد انتقائي من الاستخدامات التي تملك أدلة قوية وتحليلًا موثوقًا للجدوى والتكلفة، خصوصًا في التطبيقات المواجهة للمواطنين. أما الانتقال من تجربة صغيرة إلى نشر واسع فينبغي أن يسبقه قياس منظم للأداء والنتائج، لأن كثرة المشاريع التجريبية لا تعني أن الحلول تعمل عند التوسع أو أنها أفضل من البدائل غير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

18السلطة والأسواق والمواطنون

يحلل التقرير الأثر السياسي عبر علاقات قوة متعددة. بين الدول، تنشأ القوة من السيطرة على حلقات استراتيجية في الرقائق والحوسبة والمواد والتقنيات. وبين الحكومات والشركات، تمتلك الشركات المعرفة والتقنية بينما تمتلك الحكومات سلطة التنظيم والمشتريات والوصول إلى الأسواق. وبين الشركات والأفراد، تحدد بنية السوق مقدار قدرة المستخدم أو العامل على الاعتراض على الشروط التي تفرضها المنصات. وبين الدولة والمواطن، يوسع الذكاء الاصطناعي القدرة على المراقبة والتأثير في الخطاب العام، لكنه يمكن أن يوسع أيضًا الشفافية والمساءلة. ويؤكد التقرير أن التقنية لا تحدد النتيجة السياسية وحدها؛ فهي توسع إمكانات متعارضة: المراقبة والشفافية، والتلاعب والتعبئة، وتركيز القوة وتوزيعها. ويتوقف المسار الفعلي على من يسيطر على التقنية، ومن يضع قواعد استخدامها، ومن يستطيع الاعتراض على هذه القواعد. وتصبح البلدان ذات المؤسسات الأضعف أكثر تعرضًا لمخاطر تجاوز الدولة أو الشروط غير المتوازنة مع الشركات التقنية العالمية، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى التقنية لتحسين الخدمات والنمو.

19التنظيم والثقة

يضع التقرير الثقة شرطًا للاستفادة المستدامة من الذكاء الاصطناعي. ويقترح أن تبدأ الدول من القوانين والقواعد والمؤسسات الموجودة بدل افتراض ضرورة إنشاء نظام قانوني كامل من الصفر. يمكن للمعايير الطوعية الخاصة بالاختبار والتدقيق وإدارة المخاطر والشفافية أن تكون نقطة انطلاق، لكن قوى السوق وحدها قد لا تكفي عندما تتعارض الحوافز التجارية مع الاستخدام المسؤول. عندها ينبغي تطبيق الأدوات القانونية القائمة على قضايا مثل الخصوصية والتمييز وحماية المستهلك والأمن السيبراني، ثم تحديد الفجوات التي تحتاج قواعد جديدة. ويحذر التقرير من القواعد التي تبقى على الورق بسبب ضعف التنفيذ؛ فالرقابة والامتثال يتطلبان موظفين وخبرة وإجراءات وقدرة على الاختبار والتدقيق. كما يناقش المختبرات التنظيمية بوصفها وسيلة للتعلم العملي، لكنه ينبه إلى تكلفتها وحاجتها إلى تنسيق وخبرة ومعايير واضحة للدخول والاختبار والخروج. التنظيم الفعال، وفق هذا المنطق، عملية تعلم وتحديث مستمرة وليس نصًا ثابتًا يوضع مرة واحدة، كما أن بناء القدرة التنظيمية جزء من بناء الثقة نفسها.

20التعاون الدولي والاعتماد التقني

لأن سلسلة القيمة عالمية ومركزة، لا تستطيع كثير من البلدان معالجة قضايا الوصول والقواعد بمفردها. يناقش التقرير القيود على تصدير الرقائق المتقدمة والمواد والتقنيات بوصفها أمثلة على تحول بعض طبقات الذكاء الاصطناعي إلى نقاط اختناق استراتيجية. وحتى عندما تكون النماذج المفتوحة متاحة، فإن تشغيلها على نطاق واسع يحتاج حوسبة تعتمد بدورها على رقائق أو مراكز بيانات أو خدمات سحابية تقع ضمن نفوذ عدد محدود من الأطراف. ولهذا يرى التقرير أن السعي إلى سيادة كاملة ببناء كل شيء محليًا غير عملي لمعظم البلدان. البدائل تشمل تنويع الموردين، وقابلية التشغيل البيني، والنماذج المفتوحة، والتعاون الإقليمي في البنية الحاسوبية، وتقوية الموقف التفاوضي. وعلى الجانب التنظيمي، يمنح التعاون الدولي البلدان النامية نفوذًا أكبر ويساعد على الحد من تجزئة القواعد. ويشير التقرير إلى ضعف تمثيل كثير من الدول النامية في مبادرات الحوكمة العالمية؛ فقد وجد تحليل لسبع مبادرات وأطر رئيسية خارج منظومة الأمم المتحدة أن عددًا كبيرًا من البلدان، ومعظمها من العالم النامي، لم يكن طرفًا في أي منها. لذلك تصبح المشاركة في تشكيل القواعد الدولية جزءًا من حماية المصالح التنموية والوصول إلى التقنية.

21الحماية الاجتماعية وتغير العمل

مع تغير طبيعة المهام والوظائف، يربط التقرير سياسة الذكاء الاصطناعي بالحماية الاجتماعية. فحتى إذا لم تؤد التقنية إلى استبدال أعداد كبيرة من الوظائف في معظم البلدان النامية في الأجل القريب، فإن بعض القطاعات والعمال قد يتعرضون لضغط شديد، خصوصًا خدمات التعهيد والوظائف المكتبية والمبتدئة. كما أن الانتقال بين وظائف ومهام جديدة قد يكون أصعب على العمال الذين يفتقرون إلى المدخرات أو التأمين أو فرص التدريب. لذلك يناقش التقرير تطوير شبكات الأمان كي تصبح أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات في سوق العمل. ولا ينفصل ذلك عن سياسة المهارات؛ فالاستثمار في القراءة والحساب والاستدلال والتعلم المستمر يهيئ العمال لاستخدام الأدوات الجديدة والتكيف معها. ويشدد التقرير كذلك على تجنب سياسات ضريبية أو تنظيمية تجعل استبدال العامل بالآلة أرخص بصورة مصطنعة من استخدام التقنية لتعزيز إنتاجيته. الهدف هو توجيه الحوافز نحو الاستخدام الذي يرفع قدرات البشر ويتيح الانتقال، مع توفير حماية لمن يتحملون تكاليف التحول. وبذلك تصبح الحماية الاجتماعية والمهارات جزءًا من استراتيجية الذكاء الاصطناعي لا سياسة منفصلة عنها.

22التعلم والمهارات البشرية

يخصص التقرير قسمًا لمخاطر تآكل المعرفة والتعلم والمهارات مع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالأداة قد تساعد الطالب والعامل على إنتاج نص أو حل أو قرار بسرعة، لكنها قد تقلل ممارسة المهارة التي يفترض أن يتعلمها الإنسان إذا حلت محل الجهد المعرفي بدل أن تدعمه. وتزداد المشكلة عندما يصبح من الصعب معرفة ما إذا كان العمل المكتوب يعكس قدرة صاحبه فعلًا. ويورد التقرير مثالًا من طلبات الالتحاق بزمالة تعليمية في غانا، حيث أشارت أداة كشف إلى وجود نص مولد بالذكاء الاصطناعي في طلبات نسبة كبيرة من المتقدمين بعد أشهر من إطلاق ChatGPT، ما أثر في مقدار الثقة التي يضعها المراجعون في جودة النص بوصفها مؤشرًا على قدرة المتقدم. ولا يخلص التقرير من ذلك إلى استبعاد الذكاء الاصطناعي من التعليم؛ بل يميز بين استخدام يعزز التعلم واستخدام يستبدل عملية التعلم. أدوات التدريس التكيفية والتغذية الراجعة الشخصية يمكن أن تساعد، لكن ينبغي أن يبقى المعلم مشاركًا بفاعلية وأن تُصمم الأدوات بحيث تدعم بناء المهارات الأساسية بدل إضعافها.

23البيئة والطاقة والموارد

يتناول التقرير البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي ضمن صورة متوازنة للمنافع والتكاليف. فالتوسع في مراكز البيانات يزيد الطلب على الكهرباء والمياه ويحتاج إلى معادن ومكونات إلكترونية، كما يرتبط بتوليد نفايات إلكترونية. وقد تكون هذه المتطلبات ذات أهمية خاصة للاقتصادات التي تستضيف مراكز البيانات أو تستخرج المواد أو تعاني أصلًا قيودًا في الطاقة والمياه. وفي المقابل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم كفاءة الطاقة والنقل وإدارة الموارد والتنبؤ، بما يخلق منافع بيئية محتملة. لذلك لا يقدم التقرير أثرًا بيئيًا واحدًا ثابتًا؛ فالنتيجة تعتمد على مزيج الطاقة، وكفاءة البنية الحاسوبية، ومكان التشغيل، وطبيعة التطبيق، وما إذا كانت وفورات الكفاءة تعوض الموارد الإضافية التي تتطلبها الحوسبة. ويأتي هذا التحليل ضمن الرسالة الأوسع للتقرير: لا ينبغي تقييم الذكاء الاصطناعي من خلال قدرة النموذج التقنية وحدها، بل من خلال النظام الكامل الذي يشمل البنية التحتية والمدخلات والتكاليف الخارجية والنتائج الفعلية. ومن ثم تدخل اعتبارات الطاقة والمياه والمواد في قرارات الاستثمار والسياسة، خصوصًا عند التفكير في بناء بنية حاسوبية واسعة النطاق.

24ترتيب السياسات وعدم فعل كل شيء دفعة واحدة

يؤكد التقرير أن البلدان لا تستطيع تنفيذ جميع سياسات الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه وبالعمق نفسه. ترتيب الخطوات مهم لأن المتطلبات تختلف بين التبنّي والتكييف والتقدم. في التبنّي تكون الأساسيات هي المهارات التأسيسية والبنية التحتية والمعلومات التي تساعد الشركات والعمال على فهم ما تستطيع التقنية فعله، إضافة إلى إتاحة البنية الرقمية العامة حيث تكون مفيدة. وعند الانتقال إلى التكييف تصبح الحاجة أكبر إلى حوسبة ميسورة، وبيانات محلية أفضل، ومهارات تقنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وبيئة أعمال يستطيع فيها رواد الأعمال التجربة والنمو. أما التقدم على حدود التقنية فيتطلب الكميات نفسها من هذه المدخلات ولكن على نطاق أكبر بكثير. وينطبق التدرج أيضًا على الحكومة كمستخدم؛ إذ تبدأ بتهيئة البيانات وبناء قدرة الموظفين، ثم تطور أنظمة أكثر نضجًا للشراء والاختبار والتقييم والتحسين. ويعني ذلك أن الاستراتيجية الجيدة ليست قائمة طويلة من المبادرات، بل تسلسل يربط الطموح بالقدرة الحالية ويضيف المكملات قبل الانتقال إلى مستوى أعلى من التعقيد والكلفة.

25من المشاريع التجريبية إلى نتائج قابلة للقياس

يلفت التقرير إلى كثرة التطبيقات والمشاريع التجريبية، لكنه يميز بوضوح بين القدرة على بناء نموذج أولي والقدرة على تحقيق نتيجة عامة مستدامة. فالأداة قد تبدو واعدة في تجربة صغيرة ثم تتغير النتائج عندما تتوسع إلى عدد أكبر من المستخدمين أو إلى مناطق ذات اتصال أضعف أو بيانات مختلفة. لذلك يركز التقرير على المراقبة والتقييم بوصفهما جزءًا من دورة حياة النظام. ينبغي تحديد المشكلة والنتيجة المطلوبة أولًا، ثم اختيار مقاييس لا تقتصر على الدقة التقنية، بل تشمل جودة الخدمة والتكلفة وسلوك المستخدمين والعدالة والآثار غير المقصودة. ويصبح هذا أكثر أهمية في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وإنفاذ القانون، حيث يمكن للخطأ أن يؤثر مباشرة في حقوق الناس وفرصهم. كما أن التقييم يساعد الحكومة على المقارنة بين حل يعتمد على الذكاء الاصطناعي وبديل أبسط قد يحقق النتيجة نفسها بكلفة أقل. وبذلك يحول التقرير السؤال من «هل نستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي؟» إلى «هل يحسن هذا الاستخدام النتيجة التي نهتم بها، وهل تبرر المنفعة تكلفته ومخاطره؟».

26ثلاثة أدوار مترابطة للحكومة

يجمع الجزء الأخير من التقرير السياسة العامة في ثلاثة أدوار. الحكومة كممكّن تبني المكملات التي تسمح للقطاع الخاص والعمال باستخدام التقنية: الكهرباء والاتصال والمهارات والمعلومات والبيانات والحوسبة وبيئة الأعمال. والحكومة كمستخدم تستفيد من قوتها الشرائية ومن بياناتها لتحسين الإدارة والخدمات، مع بناء قدرات الموظفين والاختبار والتقييم والمشتريات. والحكومة كمنظّم تبني الثقة وتتعامل مع الخصوصية والتمييز والأمن السيبراني والقوة السوقية والآثار الأخرى. هذه الأدوار ليست مستقلة؛ فقد تستخدم المشتريات العامة لتحفيز تطوير حلول محلية عندما تكون الحلول الخارجية غير ملائمة للسياق، وقد تساعد الخبرة الحكومية كمستخدم على فهم ما يحتاج إلى تنظيم. وفي المقابل يمكن للمبالغة في التنظيم أن تعرقل الابتكار، كما يمكن للتمكين بلا ضمانات أن يسمح بتراكم المخاطر. لذلك يدعو التقرير إلى الاستفادة من حلول السوق حيث تكون مناسبة، مع تدخل حكومي يركز على الفجوات التي لا تعالجها الحوافز الخاصة وعلى حماية المصلحة العامة وبناء القدرة على التنفيذ.

27الخلاصة الموسعة

المغزى النهائي للتقرير أن مستقبل أثر الذكاء الاصطناعي لا تحدده التقنية وحدها. البلدان النامية تملك فرصة لأن الأدوات تستطيع إتاحة معرفة وخبرة نادرة لمستخدمين أكثر وبكلفة أقل، ورفع إنتاجية الشركات الصغيرة، ودعم العاملين، وتحسين الإدارة العامة. لكنها تواجه في الوقت نفسه قيودًا في الكهرباء والاتصال والتعليم والبيانات والحوسبة والمؤسسات، وتعمل داخل سوق عالمي شديد التركّز. ولذلك فإن انتظار اكتمال كل الظروف قد يفوّت فرصًا، بينما الاندفاع إلى حلول غير مختبرة قد يرسخ الاعتماد أو يوسع الفجوات. المسار الذي يدافع عنه التقرير عملي ومتدرج: الاستثمار في الأساسيات، وتبنّي الحلول التي ثبتت فائدتها، وتكييفها مع اللغة والبيانات والقانون وطرق العمل المحلية، وتقييم نتائجها باستمرار، وبناء القدرة على التنظيم والمشتريات، ثم التقدم تقنيًا عندما تكون الموارد والمصلحة التنموية واضحتين. وهو لا يحاول حسم موعد الوصول إلى ذكاء عام اصطناعي أو بناء السياسة على سيناريوهات بعيدة، بل يركز على الخيارات المتاحة الآن. بهذا المعنى، وعد الذكاء الاصطناعي ليس في النموذج وحده، بل في قدرة المجتمعات والمؤسسات على توجيه التقنية نحو توسيع القدرات وتقليل الندرة وإدارة المخاطر.

شعار آفاق
إعداد "منصة آفاق الأعمال": afaqb.com