القيادة الحكيمة في عالم مضطرب

من البقاء إلى استعادة الحيوية · الجزء الأول
ملخص تقرير

مشهد تعبيري لقائد وموظفين يتأملون حاجزًا يحمي منشأة ومجتمعًا من نهر مضطرب

المصدر: أمروب · القيادة الحكيمة في عالم مضطرب، الجزء الأول

من البقاء إلى استعادة الحيوية

تعني القيادة الحكيمة تلبية احتياجات الحاضر دون تقويض قدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها. وبعد نحو عقد من طرح هذا المفهوم، تغير العالم على نحو جذري: جائحة كوفيد-19 وتداعياتها، والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، وصعود الشعبوية والحروب التجارية، وتحول التوجهات المتعلقة بالبيئة والمجتمع والحوكمة. وفي الوقت نفسه، يخضع القادة ومؤسساتهم لتدقيق رقمي متواصل، ويعيد الذكاء الاصطناعي تعريف ما يعنيه أن يكون المرء قائدًا.

تثير هذه التحولات أسئلة أساسية: هل ما زالت الحكمة ممكنة وضرورية، أم أصبحت طموحًا بعيدًا عن الواقع؟ وهل يملك القادة قدرة فعلية على التأثير، أم تحكمهم ظروف لا يسيطرون عليها؟ وكيف تتحول الحكمة إلى غاية واضحة، وكفاءات عملية، وقرارات تصمد أمام الضغوط الخارجية والداخلية؟ تنطلق هذه المعالجة من الجزء الأول من سلسلة تستند إلى مقابلات مع قيادات من آسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية، وتبحث مبررات القيادة الحكيمة ودورها في تجديد المؤسسات.

بعض مخالفات المؤسسات أخطاء عابرة، وبعضها يكشف خللًا منظوميًا، وبعضها يهدد مبرر وجود المؤسسة نفسه. ويورد المصدر مثال ميتا، التي تعلن أن رسالتها بناء مستقبل التواصل الإنساني والتكنولوجيا التي تتيحه. وبحسب الوقائع التي يسردها، واجهت في أغسطس 2026 اتهامات من ولايات أمريكية بانتهاك سلامة الأطفال عبر الإنترنت، وغرامات محتملة بلغت 1.4 تريليون دولار، ثم وافقت على تسوية بقيمة 18 مليار دولار وتدابير حماية جديدة، دون إقرار بالمخالفة. المثال يطرح سؤالًا يتجاوز الأمن المالي: ماذا يحدث عندما تبدو الممارسات مناقضة للغاية المعلنة؟

الحكمة تحدد الأفق، والغاية تحرّك الناس

لا تقتصر القيادة الحكيمة على تحقيق العائد للمساهمين؛ بل تتحمل المسؤولية تجاه جميع أصحاب المصلحة، وتجمع الأصالة والتوجه طويل الأجل والاهتمام بالناس والبيئة مع استدامة الأعمال.

الأدلة والأرقام: لماذا يهم السلوك القيادي؟

يمكن للغاية المقنعة أن تشكل تعاقدًا معنويًا يربط الناس بمؤسستهم، فيدعم استمرار المشاركة، والمبيعات، والأداء، ويخفف الاحتراق الوظيفي، ويجذب المواهب. وتربط الأدلة المعروضة بين جودة شخصية القائد ونتائج المؤسسة: حقق رؤساء تنفيذيون منحهم موظفوهم تقييمات مرتفعة في الصفات الأخلاقية عائدًا على الأصول بلغ 9.35%، أي خمسة أمثال نظرائهم الأقل تقييمًا. ويساعد الدافع إلى نفع الآخرين على تبني وجهات نظر مختلفة والابتكار؛ وهو دافع يرتبط بالتعاطف والقيم والمعايير الاجتماعية والرغبة في خدمة الرفاه الجماعي.

كذلك ترتبط الممارسات القوية للاستدامة في الدراسات المشار إليها بأداء مالي أفضل وجاذبية أكبر للمستثمرين المهتمين بالاستثمار المسؤول. وفي الاتجاه المقابل، رصدت دراسة لمخالفات شركات أمريكية عائدًا غير عادي تراكميًا سالبًا قدره 4.1% ارتبط بالتغطية الصحفية للمخالفات. وكان الضرر أكبر عندما نُسب السلوك إلى المؤسسة، مقارنة بإسناده إلى فرد من الإدارة العليا، كما أثرت العقوبات المالية في العوائد.

50%

متوسط انخفاض معدل البحث عن وظيفة جديدة لدى الموظفين ذوي الاستمتاع المرتفع بالعمل مقارنة بذوي الاستمتاع المنخفض.

180 مليار دولار

تكاليف سنوية محتملة لفقد الموظفين قد تواجهها المؤسسات التي تفتقر إلى التعاطف.

أكثر من 80%

من كبار التنفيذيين يعدّون الغاية والسمعة الأخلاقية عاملين مهمين عند قرار الانضمام إلى مؤسسة؛ وهي نسبة تفوق من يستندون إلى أدائها المالي ونموها ومواردها.

41%

من كبار التنفيذيين أفادوا بأن عدم التوافق مع رسالة المؤسسة أو رؤيتها أو قيمها أو أخلاقياتها أثّر في مغادرتهم جهة عملهم السابقة.

63%

من قادة المؤسسات يرون أن جهودهم في الاستدامة البيئية تؤثر إيجابيًا في الاقتصاد.

4.3%

زيادة في حجم المشتريات ارتبطت بإضافة ملصقات تتعلق بالبيئة والمجتمع والحوكمة إلى المنتجات، وفق الدراسة المشار إليها.

وتحدد بوسطن كونسلتينغ غروب خمسة مسارات للقيمة الناتجة عن خفض الانبعاثات، وكفاءة الطاقة، وتبني الطاقة المتجددة: تحسين السمعة؛ والامتثال؛ وخفض التكاليف وتحسين الاحتفاظ بالإيرادات ونموها؛ وتقليل المخاطر التنظيمية ومخاطر التحول؛ وتحسين رضا الموظفين وسلامتهم والاحتفاظ بهم، مع خفض نفقات التوظيف والتدريب والإحلال المؤقت.

ما الذي يميز القائد الحكيم؟

يتحول القائد الذكي إلى قائد حكيم عندما يعالج معضلات الأعمال معالجة شاملة ومسؤولة. فهو لا يكتفي بخلق القيمة الاقتصادية والاستحواذ عليها، بل يعزز استدامة المؤسسة ومشروعيتها. ويمتد واجب العناية لديه إلى جميع المتأثرين بنشاطها، فيربط المصالح قصيرة الأجل بالرؤية بعيدة المدى، ويوازن بين نمطي التفكير: التفكير السريع التلقائي والحدسي، والتفكير البطيء المتأني والتحليلي.

غير أن اتخاذ القرار يتأثر بالتحيزات غير الواعية، وضغوط بيئة العمل وحوافزها. لذلك ركز إطار بحثي سابق على ما يمكن للقائد التحكم فيه: قيادة الذات، أي كيفية ضبط سلوكه؛ ومحركات الدافعية التي توجه اختياراته؛ وممارسات العناية بصحة القرار. وقد كشف أربع ملاحظات: أن القادة يتحركون من الذكاء نحو الحكمة لكنهم يفوّتون فرصًا مهمة؛ وأن البوصلة الأخلاقية تظهر ثم تحجبها الضغوط؛ وأن دوافع الخدمة والفضيلة وريادة الأعمال لا تصل غالبًا إلى التضحية الذاتية؛ وأن كثيرين يمارسون اليقظة الذهنية، لكنهم يهملون طلب التغذية الراجعة.

وجرى في 2023 تحويل هذا التصور إلى نموذج عملي للقيادة ذات الغاية، يستفيد منه مجلس الإدارة، وفرق اختيار القيادات وتطويرها، والقادة أنفسهم. جوهره الجمع بين ثلاث ركائز متكاملة لخلق أثر وقيمة طويلة الأجل للناس والكوكب والأعمال، بدل التعامل مع المسؤولية الاجتماعية والبيئية كإضافة منفصلة عن القرارات التجارية.

القيادة ذات الغاية

تلتقي الغاية الفردية، والغاية الاجتماعية والبيئية، وغاية الأعمال في ممارسة قيادية واحدة؛ وتترجمها الرؤية، والشجاعة والنزاهة والأصالة، والتعلم، والتعاطف، والمساءلة.

الغاية الفردية

تنبع من خبرات القائد الشخصية وشغفه وخصائصه وسماته؛ فهي الخلفية التي تمنح اختياراته معناها، وتساعده على فهم ما يسعى إلى تحقيقه ولماذا.

الغاية الاجتماعية والبيئية

تظهر عندما ينظر القائد إلى ما يتجاوز دوره المباشر، ويعطي أثر الشركة في المجتمع أولوية، ويتفاعل مع أصحاب مصلحة متعددين ومتنوعين.

غاية الأعمال

تتمثل في دمج الأولويات الاستراتيجية، والأهداف التجارية والربحية، والغاية الاجتماعية والبيئية للمؤسسة، والغاية الفردية للقائد، على نحو فعلي ومترابط.

خمس كفاءات وعقليات تحول الغاية إلى ممارسة

الرؤية

الابتعاد خطوة عن الروتين اليومي، واستكشاف مناهج وحلول ووجهات نظر متعددة، والتركيز على السياق الأوسع طويل الأجل، مع الاحتفاظ بالطموح. وتتيح هذه القدرة رؤية ما وراء المطلب العاجل، بدل اختزال الاتجاه الاستراتيجي في الاستجابة المتواصلة للضغوط اليومية.

الشجاعة والنزاهة والأصالة

فهم أهداف المخاطر المتخذة ونتائجها، والاستعداد لاختيار مقاربات لم تُجرّب وحلول تتجاوز المألوف. ويشمل ذلك الالتزام بمنتجات وخدمات وحلول وعمليات مبتكرة وقابلة للتنفيذ، واتخاذ قرارات قد تغير صورة المؤسسة، مع اتساق السلوك مع القيم المعلنة.

التعلم

استيعاب المعلومات المعقدة عن التكنولوجيا والاتجاهات والمنافسين وأصحاب المصلحة، وربطها برسالة الشركة. ويتطلب انضباطًا ودافعية للتعلم وعدم الاستسلام سريعًا، والبحث عن المعلومات التقنية والتشغيلية والوظيفية المفيدة؛ فالتعلم ممارسة متصلة تتجاوز جمع المعرفة إلى إدماجها في العمل.

التعاطف

السعي الصادق إلى فهم مشاعر الآخرين ووجهات نظرهم واحترامها، وتشجيع ثقافة التنوع والوعي الاجتماعي، واستشعار كيف يرون الأمور. ويقتضي تعليق الأحكام المسبقة وتبني منظور الآخر، دون الاكتفاء بافتراض أن الجميع يفسرون الموقف أو يتحملون نتائجه بالطريقة نفسها.

المساءلة

تحمل المسؤولية أمام أصحاب المصلحة عن الأفعال الشخصية، وأفعال وحدة الأعمال، والمؤسسة كلها. وتشمل فهم الأنظمة والبيئات الجديدة وآثارها في النشاط، ودعم الزملاء، وتقديم قدوة في الاعتمادية والنزاهة؛ فلا تصبح جماعية العمل ذريعة لتبديد المسؤولية الفردية.

قوة الفرد وحدودها داخل الجماعة

لا يعمل القائد بمعزل عن مجلس الإدارة، والمستثمرين، والفريق التنفيذي، وأصحاب المصلحة الأوسع، أو عن إرث المؤسسة وثقافتها إذا لم يكن مؤسسها. والمؤسسة عمل جماعي لا يستطيع فرد واحد إنجاز نتائجه منفردًا. لكن هذا الترابط يتيح أيضًا التنصل من المسؤولية: يميل بعض القادة إلى لوم العوامل الخارجية، أو الاعتراف بأن خطأ وقع دون الاعتراف بدورهم فيه، خوفًا من العواقب.

قد يبدو تحويل اللوم وسيلة ذكية لحماية الذات، لكنه يناقض الحكمة. فالمساءلة تقتضي الفصل بين الشخصي والمهني، والنظر إلى أصحاب المصلحة والمجتمع وإلى المستقبل الذي تصنعه القرارات. والضغوط الحقيقية، من الإنهاك إلى الخوف من فقدان العمل أو الانهيار المالي والسمعة المتضررة، لا تنفي وجود عوامل يمكن للقائد التأثير فيها، أو قدرته على تهيئة شروط النجاح بدل الارتهان للبيئة.

وتزداد أهمية هذه المسؤولية مع انتقال الثقة الاجتماعية نحو أصحاب العمل والرؤساء التنفيذيين. فوفق مقياس إيدلمان للثقة لعام 2026، ارتفعت مكانتهم خلال خمسة أعوام مقارنة بقيادات الحكومات الوطنية والمؤسسات الإخبارية الكبرى وقيادات الأعمال الأجنبية. وتتعزز فرص التأثير لدى من يقودون بالقدوة، ويستشيرون جماعات متنوعة، وينخرطون بصورة بناءة. كما أن 42% يفضلون الانتقال إلى قسم آخر على العمل تحت مدير تختلف قيمه عن قيمهم.

كلما ازداد عدد القدوات الحكيمة، كبرت الكتلة القادرة على إحداث تغيير إيجابي. غير أن الحكمة لا تعني العصمة: لا يستطيع شخص واحد معرفة كل ما يجري داخل مؤسسة متشعبة، أو التحكم في آلاف المتغيرات. والمطالبة بالكمال قد تحول المعيار إلى عبء غير عملي، بينما يظل السعي إليه قوة للتطور، كما كان الهبوط على القمر هدفًا بالغ الصعوبة لدى ناسا في 1960، قبل أن يحققه برنامج أبولو بعد تسعة أعوام.

لا يغير الفعل الصحيح المؤسسة كلها في يوم واحد، لكنه يرسم مسارًا تطوريًا. وتساعد ثقافة التوظيف والحوافز والقيم على زيادة احتمال السلوك الحكيم وتقليل نقيضه. وفي الشدائد، تبقى المؤسسات الأقدر على التكيف، لا الأكبر أو الأقوى بالضرورة؛ وتصبح الأخطاء والتعلم وتصحيح المسار جزءًا من رحلة الحكمة نفسها.

الاتجاه والثقة في عالم تتزعزع يقينياته

تقوم القيادة على تحديد اتجاه وتحريك الناس نحوه. والحكمة لازمة لفهم العالم والذات والآخرين، وتحديد الأفعال التي تخدم الصالح الأوسع؛ أما الغاية فتجيب عن «لماذا؟» بطريقة تحرك المشاعر وتدفع إلى الإنجاز. لذلك تتكاملان: تمنح الحكمة الأفق الذي يوجه العمل، وتمنح الغاية الدافع الذي يحشد الناس لتحقيقه.

بعد سنوات من الحروب والتضخم والركود والأسئلة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، لم يعد المطلوب مجرد إدارة التغيير. فالشركات ونماذج الأعمال والوظائف وحتى الهويات الشخصية أصبحت موضع تساؤل، وأصبح الاتجاه والاستقرار والثقة حاجات ملحة. ومع الانتقال من عالم يوصف بالتقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض إلى عالم هش وقلق وغير خطي وعصي على الفهم، تزداد قيمة إطار أساسي ثابت يستند إليه القرار.

وتقتضي المسؤولية موازنة البحث عن الفرص مع مخاطر التصرف دون تفكير مسبق، خصوصًا عندما تمس القرارات الأمن الوطني أو نزاهة المؤسسة. وقد أبرزت الأزمة المالية في 2009 قصور الحكم والأنانية. ويحتاج التعامل مع الأحداث الكارثية إلى تفكير مستدام، وحكم سليم، وشجاعة أخلاقية، والنظر إلى المنظومة المحيطة بدل الانحصار في الذات أو في المشكلة القصيرة الأجل.

الأصالة: أن تعيش المؤسسة قيمها

تتعمق صعوبة الثقة والانقسام المجتمعي؛ إذ يجد 70% من المشاركين في مقياس إيدلمان لعام 2026 صعوبة في الثقة بمن يختلفون عنهم. وتغذي المعلومات المضللة هذه الدائرة، فيما يقل التعرض لوجهات نظر سياسية مختلفة ويشتد الاستقطاب. وفي هذا المناخ، تصبح الرسائل الواضحة ذات المصداقية ضرورية لاختراق فائض المعلومات والتصنع.

ينبغي أن يحمل تواصل القائد بصمته وصوته، حتى عندما يستعين بالمشورة؛ فلا يبدو نصًا آليًا فاقدًا للهوية. والأصالة ليست ادعاء الاهتمام بالقيم الكبرى مع رفض تحمل أي تضحية شخصية، ولا تلميعًا أخلاقيًا يماثل الغسل الأخضر. يجب أن يبرهن السلوك على صدق القناعات؛ وقد تختلف القرارات تحت الضغط، لكن الإطار الذي تقوم عليه يظل متسقًا.

القيم ممارسات يومية: كيف ترتب الأولويات، وكيف تعامل زملاءك والموظفين المبتدئين وعمال النظافة والاستقبال والعملاء. ولا يكفي التعامل معها كهوية تسويقية. كذلك يمثل التوافق القيمي داخل الإدارة العليا أساسًا للرؤية والغاية؛ فقد تتفكك الشراكات والمشروعات المشتركة رغم اتفاق المصالح المالية عندما تختلف القيم الشخصية للقادة اختلافًا جذريًا.

الصمود والقدوة في القرارات الصعبة

تجعل العدالة والانفتاح والمساواة المؤسسات أكثر استعدادًا للقرارات المؤلمة، مثل تقليص العمالة وإعادة الهيكلة، وتقلل الضرر في المحادثات الصعبة وتحافظ على العلاقات. فالناس يواجهون توترًا حقيقيًا بشأن المستقبل وأمنهم الوظيفي؛ ويحتاجون إلى الصدق حتى حين يكون مؤلمًا، وإلى معرفة ما ينتظرهم. ودون تعاطف، يصعب على القائد اصطحابهم معه عبر الأزمة.

في الأوقات الصعبة، يكثر الضغط والإنهاك، ويزداد أثر القادة الذين يضعون أنفسهم مكان الآخرين ويبدون اهتمامًا عمليًا بهم. وتبدأ الاستدامة طويلة الأجل بالحوكمة الجيدة، ثم القيادة الجيدة، ثم الإدارة الجيدة. كما تحتفظ الغاية ذات المعنى بعناصر مستقرة وسط الاضطراب: الإسهام في تحسين حياة الناس، وفعل الخير، وعدم الإضرار بالآخرين أو البيئة؛ وهي معانٍ تتيح ارتباطًا أعمق من الاكتفاء بقيمة المساهمين، دون إنكار أهمية هذه القيمة.

تأتي اضطرابات وضوابط وعقوبات جديدة كل يوم، ولذلك يحتاج القادة إلى التمسك بالقيم والأهداف الأساسية، وفهم عميق للمواقف الصعبة. وحين يتحول الوضع إلى أزمة فعلية، يلزم الانتقال مباشرة إلى إدارتها. فالثبات على الأساس لا يعني الجمود في الوسائل، بل توفير مرجعية تسمح بالتكيف دون ضياع الاتجاه.

وتتشكل الثقافة عبر القدوة والبيئة التي يصنعها القادة، لا عبر ملصقات القيم اللامعة وحدها. تنتقل المعايير من خلال التصرفات وأسلوب التواصل، والقدرة على القيادة بهدوء، وتحليل التهديدات بوضوح، وتحريك الناس، ونقل الثقة بالأهداف والمستقبل. وعلى مجلس الإدارة والفريق القيادي ترسيخ هذه الممارسة من القمة؛ لأن إتقان تنفيذ الأشياء الخاطئة قد يدمر القيمة بصورة أشد من التقصير في تنفيذ الأشياء الصحيحة.

الذكاء الاصطناعي يزيد الحاجة إلى الحكم الإنساني

يكشف صعود الذكاء الاصطناعي ما يبقى إنسانيًا وغير قابل للاستبدال: التعاطف، واللطف، والقرب، والروابط التي لا تستطيع الهياكل التنظيمية وحدها خلقها. وإذا فقدت المؤسسة صلتها الإنسانية، تحولت إلى آلة تفتقر إلى ما يجمع الناس ويحفظ تماسكهم. ومن هنا لا تقل أهمية الحكمة مع تقدم التكنولوجيا، بل تزداد.

القدرة على معالجة المعلومات لا تساوي جودة الحكم. وقد يدعم الذكاء الاصطناعي جانبًا كبيرًا من القرار دون أن يمتلك القرار النهائي، خصوصًا مع احتمالات التحيز والهلوسة. ويجب أن تمر العملية بجمع المعلومات وتحليلها ثم بحكم إنساني شامل يدمج النتائج مع السياق والقيم والخبرة والمعرفة وتعدد المنظورات.

يحتاج القائد إلى إطار حكيم لصياغة الأسئلة الصحيحة، وبصيرة لتفسير المخرجات، وموازنة واقعية للعوامل المختلفة، ثم سؤال: ما الفعل الصحيح في هذا السياق؟ وسيستخدم بعض القادة هذه الأدوات للارتقاء بحكمهم، بينما قد يجد آخرون أنها تكشف ضعف تفكيرهم الأعلى عندما تزيل العكازات التحليلية التي كانوا يعتمدون عليها.

مسؤولية طويلة الأجل

أصبحت القيادة الحكيمة وذات الغاية ضرورة في عالم يتسم بالتقلب وضعف الثقة وتسارع التكنولوجيا. وتبني المساءلة والتعاطف والوضوح والأصالة ثقافات قادرة على تحمل الشدائد؛ بينما يربط الحكم الجيد بين نجاح المؤسسة ومستقبل المجتمع، ويجعل القائد قدوة تحمل قيمها إلى أفعالها.

إعداد "منصة آفاق الأعمال": afaqb.com