الأبعاد الثلاثة للقيادة في عصر الذكاء الاصطناعي
تتطلب القيادة الفعالة في عصر الذكاء الاصطناعي الجمع بين رؤية واضحة، ومشاركة عملية في بناء طرق العمل الجديدة، وحوكمة مسؤولة تحدد الحدود والمخاطر.
اكتسب شعار «كن مستعدًا» معنى جديدًا في عصر الذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات تصبح أكثر قدرة على التفوق على منافسيها عندما يكون كبار قادتها مستعدين لمواجهة فرص اليوم وتحدياته ومؤهلين للنجاح طويل الأجل. وتظهر النتائج أن أثر جاهزية القيادة في الأداء التنافسي يبلغ نحو ثلاثة أضعاف الأثر المرتبط بمجرد نضج نشر الذكاء الاصطناعي.
النتائج الأساسية
القيادات المستعدة والقادرة على الانتقال بين أدوار صاحب الرؤية والمطوّر المشارك والقيّم تمنح المؤسسة دفعة تنافسية تعادل ثلاثة أضعاف ما تمنحه الأدوات الأكثر نضجًا وحدها.
المؤسسات التي تجمع بين قيادة عالية الاستعداد ومستوى مرتفع من نضج الذكاء الاصطناعي تحقق ارتفاعًا إضافيًا يبلغ 80% في الأداء التنافسي.
قادة المؤسسات الأكثر نضجًا أكثر ميلًا بنسبة 75% إلى التجربة المنتظمة للتقنية وطلب التغذية الراجعة والتكيّف.
من يخصصون أكثر من 10% من وقتهم لتعلم استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر احتمالًا بـ1.7 مرة لقيادة مؤسسات أكثر نضجًا.
فجوة الاستعداد القيادي
على الرغم من الدور الحاسم للقيادات المستعدة، فإن 25% فقط من الموظفين يرون أن القادة يدعمون استخدامهم للذكاء الاصطناعي بصورة كافية. ويكشف ذلك أن عددًا قليلًا من التنفيذيين أتقن القدرات القيادية والتقنية وقدرات الذكاء الاصطناعي المسؤول اللازمة للمستقبل، وحتى عند توافرها فإنها كثيرًا ما تتطور بصورة منفصلة وغير مترابطة.
لفهم ما يميز التنفيذيين المستعدين ومواضع قصور الآخرين، شمل البحث 563 قائدًا تنفيذيًا عالميًا، من الرؤساء التنفيذيين وأعضاء الإدارة العليا ونواب الرؤساء والمديرين. تراوحت أعمارهم من أقل من 35 عامًا إلى أكثر من 65 عامًا، وتراوحت الإيرادات السنوية لمؤسساتهم من 10 ملايين دولار إلى أكثر من 10 مليارات دولار، مع تنوع البلدان والقطاعات ومستويات نضج الذكاء الاصطناعي. كما جُمعت نتائج الاستطلاع مع ملاحظات من العمل المباشر مع المؤسسات.
تزداد أهمية سد الفجوة لأن قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور أسرع من ارتياح كثير من التنفيذيين للتعامل معها، فتضغط دورات اتخاذ القرار التي كانت تستغرق سنوات لتصبح أشهرًا. وفي الوقت نفسه يُطلب من التنفيذيين تخصيص رأس مال فعلي وإعادة تنظيم فرق حقيقية حول تقنية ما تزال تتغير بسرعة. ويُعد تسريع الذكاء الاصطناعي ضمن أهم ثلاث أولويات لدى 65% من الرؤساء التنفيذيين الساعين إلى تحسين النمو والإنتاجية.
القادة الأكثر استعدادًا يعملون بثلاثة أبعاد مترابطة: صاحب الرؤية، والمطوّر المشارك، والقيّم. وهم يستوعبون القدرات المطلوبة لكل بُعد وينتقلون بينها وفقًا للموقف، بما يعزز الأداء والأثر القابل للقياس.
الاستعداد ضروري، لكن معظم التنفيذيين غير مستعدين
تمر تحولات الذكاء الاصطناعي عادة بثلاث مراحل تزداد تعقيدًا: النشر، وإعادة التشكيل، والابتكار. وعندما يعجز القادة عن مواكبتها قد يتأثر نضج الذكاء الاصطناعي وقدرة المؤسسة على توسيع التقنية عبر وظائف متعددة وتحويلها إلى قيمة أعمال.
قال 36% فقط من القادة إن كبار القيادات في مؤسساتهم مستعدون لمواجهة تحديات اليوم. أما الأكثر استعدادًا فيتنقلون بين الأبعاد الثلاثة خلال مراحل التحول، ويدمجون القدرات القيادية والتقنية وقدرات الذكاء الاصطناعي المسؤول في كل مرحلة.
عندما تكون القيادة مستعدة جيدًا، تبلغ زيادة التفوق التنافسي 66% مقابل 20% عند الاعتماد على نضج نشر الذكاء الاصطناعي وحده. وعندما تجتمع القيادة المستعدة مع ممارسات شديدة النضج ترتفع الزيادة إلى 80%.
الأبعاد الثلاثة للقائد المستعد للذكاء الاصطناعي
صاحب الرؤية
يرسم التنفيذي صورة واضحة لرؤية المؤسسة للذكاء الاصطناعي وللأهداف اللازمة لتحقيقها. ويساعد ذلك الفرق على التبني بوتيرة أسرع، ويرتبط بممارسات أكثر نضجًا وقدرة أكبر على التكيف. وتُعد القدرة على التخطيط للمستقبل من السمات التي تميز القادة الذين تزدهر فرقهم في ظروف عدم اليقين.
يربط الذكاء الاصطناعي بما يهم فعلًا. يدمجه في استراتيجية الأعمال العامة، ويمتلك فهمًا تقنيًا كافيًا لما تستطيع التقنية فعله وما لا تستطيع، ويربط الاستثمارات بنتائج أعمال قابلة للقياس. والمؤسسات الأكثر نضجًا أكثر احتمالًا بما يصل إلى ثلاثة أضعاف لامتلاك قادة يصوغون رؤية واضحة ويتواصلون بشأنها وينقحونها بانتظام؛ 64% مقابل 22% في المؤسسات الأقل نضجًا.
يراهن على التفاؤل. القادة المتفائلون لا يتجاهلون المخاطر، لكنهم يميلون إلى اقتناص الفرص بما يسمح برؤية أكبر وأكثر جرأة. والتنفيذيون ذوو التفاؤل القوي أكثر احتمالًا بـ1.9 مرة لقيادة مؤسسات ذات ممارسات ناضجة.
يقود بصورة مختلفة في كل مرحلة. قد يكون أكثر توجيهًا في مرحلة النشر، ثم ينتقل إلى تمكين الأفراد وإزالة العوائق في مرحلة إعادة التشكيل، ثم يتحدى الافتراضات في مرحلة الابتكار. وأفاد 52% بأن القيادات في مؤسساتهم تستطيع تغيير أسلوب الإدارة بحسب الموقف، مع ارتباط ذي دلالة بين القدرة على التكيف والنضج.
المطوّر المشارك
يوظف التنفيذي معرفته التقنية ليكون نموذجًا للسلوكيات وممارسات العمل الجديدة، ويتعامل مع الموظفين بوصفهم مشاركين في التصميم، وينفتح على التجربة، ويستخدم الذكاء الاصطناعي في عمله الشخصي.
يبني مع الموظفين لا من أجلهم فقط. إعادة تشكيل العمل تتطلب بيئة يشعر فيها الموظفون بالأمان عند التجربة وعند مناقشة مخاوفهم بشأن أثر الذكاء الاصطناعي في أعمالهم ومستقبلهم. وتزداد قيمة ما يشارك الأفراد في بنائه في نظرهم مقارنة بأشياء مماثلة تقدم لهم مكتملة. ويمكن منح الموظفين دورًا حقيقيًا عبر ثلاثة أنماط: اتخاذ القرار، والتأثير، والتمثيل.
المؤسسات التي يضع قادتها الأفراد في قلب تحولات الذكاء الاصطناعي أكثر احتمالًا بثلاث مرات للوصول إلى النضج: 58% مقابل 18%.
يستخدم الذكاء الاصطناعي في العمل. الاستخدام المباشر يبني حدسًا يساعد على إصدار أحكام أفضل. وإذا لم يستخدم القائد التقنية بنفسه فلن يستطيع تقييم مواضع فائدتها أو قصورها أو الضوابط التي تحتاج إليها بمصداقية. ويقود 45% ممن يستخدمونه يوميًا مؤسسات ناضجة، مقابل 19% ممن لا يستخدمونه أو نادرًا ما يستخدمونه.
يفسح المجال للتجربة. الثقافة الداعمة للتجريب تعزز التعلم والتبني بطرق أكثر ابتكارًا. والقادة في المؤسسات الناضجة أكثر ميلًا بنسبة 75% إلى التجربة المنتظمة والمقصودة وطلب التغذية الراجعة والتكيف: 40% مقابل 23% في المؤسسات الأقل نضجًا.
القيّم
ينصب اهتمام القائد هنا على حدود الذكاء الاصطناعي والضوابط التي تحافظ على العدالة والخصوصية والجودة والسلامة، وعلى أفضل السبل لقيادة المؤسسة إلى عصر الذكاء الاصطناعي.
يضع الضوابط. يجب توضيح ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله وما لا يستطيع، وكيف يخلق قيمة للأعمال. والقادة الفعالون يتخذون قرارات أخلاقية واستراتيجية متقدمة بشأن المواضع التي ينبغي للتقنية أن تعمل فيها أو تمتنع عنها، ولماذا. والقيادات التي تضع ضوابط واضحة تتمحور حول الإنسان أكثر احتمالًا بمرتين إلى ثلاث مرات لقيادة مؤسسات ناضجة.
يراهن بوعي للمخاطر. يستخدم القادة الفعالون التقنية لدعم اتخاذ القرار وترتيب الأولويات والتفكير الاستراتيجي. واستخدامها لاختبار قرار مهم لا يعني تفويض الحكم للآلة، بل إخضاع الحكم لاختبار أكثر صرامة: فهم نقاط فشل الأداة، وتقدير قدرتها على التعامل مع القرارات ذات العواقب، ثم مناقشة المخرجات مع الفريق.
التحيزات المعرفية، مثل الثقة المفرطة، قد تشوه توقعات المبادرات الكبرى وتؤدي إلى التقليل من المخاطر والمبالغة في المنافع. ومع اتساع خيارات القرار تصبح الضوابط الصريحة والفحوص المنظمة أكثر أهمية. ويقود 38% ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي كثيرًا في قراراتهم مؤسسات ناضجة، مقابل 16% لدى من نادرًا ما يستخدمونه أو لا يستخدمونه.
لا يتوقف عن التعلم. التنفيذيون الذين يخصصون أكثر من 10% من وقتهم لتعليم أنفسهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر احتمالًا بـ1.7 مرة لقيادة مؤسسات ناضجة. وبلغت نسبة المؤسسات الأكثر نضجًا 51% لدى هذه الفئة مقابل 30% لدى من يخصصون 10% أو أقل. ولا تقل طبيعة ما يتعلمونه أهمية عن الوقت؛ فأفضل المتعلمين يحدّثون باستمرار نهجهم القيادي ومعرفتهم التقنية وفهمهم للذكاء الاصطناعي المسؤول.
كيف تتبنى ممارسات القادة المستعدين؟
يمكن للتنفيذيين تبني طرق القادة المستعدين في التفكير والقيادة والتعلم. والبداية هي تقييم وضع تحول المؤسسة لتحديد البعد الذي يحتاج إلى التركيز أولًا. ويمكن استخدام استبيانات كمية تقيس خط الأساس في الأبعاد الثلاثة، كما قد تساعد النظرة الخارجية في كشف النقاط العمياء التي يصعب على التنفيذي رؤيتها بنفسه. وأيًا كانت نقطة البداية، يُختار عدد محدود من الممارسات أولًا، ثم تدمج في العمل اليومي ويُستخدم التكرار لتحويلها إلى عادات.
- ضع القيمة قبل الحجم: اربط المبادرات بنتائج أعمال قابلة للقياس قبل اعتمادها، وتأكد من وضوح كيفية خدمة التقنية للأعمال ومواءمة الفريق معها.
- سجّل المخاطر ولا تتجنبها: تعامل مع المخاطر بوصفها قضايا ينبغي إدارتها لا أسبابًا للتوقف. عيّن مسؤولين للتحقيق وحدد أطرًا زمنية، ولا تجعل الحذر الوضع الافتراضي.
- قيّم وعدّل: استخدم إطار نضج بسيطًا وحدد أسئلة لكل مرحلة: في النشر «ماذا نتعلم؟»، وفي إعادة التشكيل «ماذا نوسّع؟»، وفي الابتكار «ما الذي نحتاج إلى إعادة التفكير فيه؟». وعند الانتقال إلى مرحلة جديدة اجعل تغير دورك واضحًا.
- استخدم الذكاء الاصطناعي بنفسك: التزم بمهمة عمل ذات معنى واحدة على الأقل أسبوعيًا باستخدامه، وتحدث عن كيفية استخدامك له.
- وفر ساعات محمية للتجربة: خصص وقتًا أسبوعيًا لا تزاحمه الأولويات الأخرى، وأضف مراجعة بسيطة لتوثيق ما نجح ومشاركته.
- حافظ على باب مفتوح: أتح للموظفين طرح الأسئلة والمخاوف، وعندما لا تعرف الإجابة أظهر استعدادك للتعلم والتزم بالبحث عن حل.
- افشل بسرعة وشارك أسرع: أنشئ قناة أو جلسة شهرية لمشاركة نتائج التجارب بما فيها الإخفاقات؛ فالأصل الحقيقي هو التعلم لا الفوز وحده.
- ارسم الحدود: ضع حقوقًا صريحة لاتخاذ القرار بالذكاء الاصطناعي وانشرها للفريق؛ حدد أين يمكنه العمل باستقلالية، وأين يقتصر على المشورة، وأين يكون الحكم البشري غير قابل للتفاوض.
- أدخل الخارج إلى الداخل: اعقد جلسات منتظمة مع الباحثين والممارسين والمتخصصين في الأخلاقيات والموردين لتعريض فريق القيادة للتطورات الناشئة ودفعه إلى التفكير أبعد من الوضع القائم.
القادة الأكثر فاعلية يرون القيادة والبراعة التقنية والحوكمة أجزاءً من كل واحد. فالتفاؤل بالمستقبل يعني إلهام الناس برؤية إيجابية مع احتساب المخاطر، والعمل الفعلي بالتقنية يبني الفهم والمصداقية، ووضع ضوابط كافية يتطلب حكمًا أخلاقيًا وقيادة شجاعة. والطلاقة الحقيقية تنشأ من ممارسة متكاملة داخل سياق العمل الواقعي.