كيف يصنع الذكاء الاصطناعي ميزة في التعليم العالي

المصدر: شركة Huron

يصل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم العالي في ثلاث موجات متميزة. تبدأ المؤسسات أولًا بوضع الذكاء الاصطناعي «فوق» العمليات القائمة، حيث تعمل المساعدات الذكية إلى جانب الأشخاص لتسريع الأعمال الروتينية. ثم تنتقل إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي «داخل» منصاتها الأساسية، بوصفه خصائص مدمجة في الأنظمة التي يستخدمها أعضاء هيئة التدريس والموظفون بالفعل لتحسين خطوات محددة. أما التحول الحقيقي فلا يحدث إلا عندما تعيد المؤسسات تصميم العمل نفسه، وتعمل بالذكاء الاصطناعي «تحت» العمليات، بحيث يجري تنسيق العمل البشري والرقمي من البداية إلى النهاية وعبر الأنظمة، مع مساءلة واضحة ونتائج قابلة للقياس.

تكتسب هذه الرحلة أهميتها لأن اقتصاديات التعليم العالي تتعرض للضغط. فالقيادات تواجه ثباتًا في أعداد الموظفين، وارتفاعًا في التوقعات، وتراكمًا متزايدًا للمهام المعقدة؛ من التحقق من المساعدات المالية إلى مراجعات الامتثال وإقفال الأعمال بعد المنح. يستطيع الذكاء الاصطناعي تخفيف الضغط في أي مجال منفرد، لكن التغييرات التي تقع «تحت» العمل هي وحدها القادرة على تغيير منحنى التكلفة ورفع مستويات الخدمة في الوقت نفسه. والمسار الأذكى يجمع الطبقات الثلاث: استخدام قدرات «فوق» العمل لتحقيق مكاسب سريعة، وتفعيل خصائص «داخل» الأنظمة عندما يكون المورّدون مستعدين، والاستثمار في إعادة تصميم «تحت» العمليات لمسارات القيمة التي تحدد قدرة المؤسسة على المنافسة.

الغاية ليست مستقبلًا يعمل فيه الروبوت بدل البشر، بل نموذجًا يقضي فيه الناس وقتًا أطول في الحكم المهني، وبناء العلاقات، والاكتشاف؛ وهي خصائص شديدة الأهمية في التعليم العالي، بينما يتولى العاملون الرقميون المهام المتكررة والمحكومة بالقواعد. يحصل الطلاب على إجابات أسرع، ويقضي الباحثون الرئيسيون وقتًا أقل في الأعمال الورقية ووقتًا أكثر في البحث العلمي، ويحصل الإداريون على رؤية أوضح للمخاطر والأداء، وتصبح القيادة قادرة على الإدارة وفق النتائج بدل حدود الأنظمة.

لماذا تختلف هذه اللحظة؟

تغمر عروض الذكاء الاصطناعي ومشروعاته التجريبية كل مؤسسة تقريبًا. كثير منها مفيد، لكن معظمها معزول، وعدد أقل منها قابل للتنفيذ بسبب تحديات البيانات. وما يميز المؤسسات المتقدمة عن المتأخرة ليس الوصول إلى أحدث نموذج، بل اتخاذ قرار بشأن الموضع الذي يعيش فيه الذكاء الاصطناعي داخل نموذج التشغيل. عندما يظهر فقط كشريط جانبي في عدد محدود من الأدوات، تتحقق الراحة لا المنفعة الهيكلية. وعندما يُدمج في منتج أو منصة واحدة، تظهر تحسينات كبيرة في الخطوات، لكن تظل المؤسسة مقيدة بعمليات التسليم إلى الأنظمة الأخرى. وعندما يصبح الذكاء الاصطناعي المحرك الكامن تحت العمل، فينسق المهام، ويفرض السياسات، ويعرف متى يحيل المهمة إلى شخص، ترتفع مستويات الخدمة، وتستقر التكاليف، وتصبح المخاطر أسهل في الإدارة.

يمكن تشبيه ذلك بتجديد منزل: طبقة «فوق» تشبه شراء أجهزة أفضل، فتطبخ أسرع قليلًا. وطبقة «داخل» تشبه تحديث المطبخ، فتتحسن الوجبات ويصبح التنظيف أسهل. أما طبقة «تحت» فتشبه إصلاح الأساسات وإعادة توجيه المرافق؛ عندها يعمل المنزل كله بطريقة مختلفة، ويمكن تجديده أو توسيعه لاحقًا دون مفاجآت.

الطبقات الثلاث بلغة واضحة

فوق العمليات

هي طبقة الإضافة: مساعد يلخّص ويصوغ ويصنّف ويجيب عن الأسئلة الشائعة. تقلل الجهد لكل مهمة وتعيد الوقت إلى الموظفين. قد يستخدم فريق خدمات الطلاب واجهة محادثة تقرأ السياسات وقاعدة المعرفة وتقترح ردودًا على الطلبات الروتينية. وقد يستخدم مكتب الأبحاث أداة تلخص إعلانات المنح وتجمع المواعيد النهائية ومعايير الأهلية وخطوات التقديم في موجز واحد. تظهر القيمة بسرعة وترتفع المعنويات دون تعطيل الأنظمة، لكن العملية الأساسية تبقى كما هي، وتظل اختناقات الانتقال بين الأنظمة قائمة، وغالبًا ما تُبنى الحلول نفسها بصورة مكررة لدى أطراف مختلفة داخل المؤسسة.

داخل الأنظمة

هو الذكاء الأصلي المدمج في أنظمة تخطيط موارد المؤسسة ERP، ونظام معلومات الطلاب SIS، وإدارة علاقات العملاء CRM، ونظام إدارة التعلم LMS، وإدارة الأبحاث الإلكترونية eRA، والأنظمة السريرية والحلول المتخصصة. يحسن الجهد المطلوب في كل خطوة؛ فيقترح نظام التعلم إصلاحات إمكانية الوصول والنصوص البديلة، ويرتب نظام علاقات العملاء أولويات التواصل ويصوغ رسائل تحسين العائد، ويفحص نظام إدارة الأبحاث المقترحات مسبقًا بحثًا عن العناصر الناقصة. تنخفض أزمنة الدورة وتتحسن جودة البيانات ويشعر الموظفون بدعم الأدوات التي يعرفونها، لكن سقف التحسين يبقى عند حدود المنصة؛ فما إن تنتقل العملية إلى نظام أو فريق آخر حتى يعود الاحتكاك القديم.

تحت العمليات

هنا تحقق المؤسسة عوائد تراكمية. تُنمذج العملية من البداية إلى النهاية، من أول سؤال للطالب حتى التسجيل، أو من رصد فرصة التمويل حتى الإقفال. ينفذ العاملون الرقميون الخطوات الروتينية وفق السياسات، ويستدعون خدمات الذكاء الاصطناعي عندما تكون مفيدة، ويحيلون الحالات إلى البشر عندما تتطلب حكمًا أو تعاطفًا. يجري التنسيق عبر أنظمة متعددة دون إجبار الموظفين على التنقل بينها. وتقيس القيادة الرحلة كاملة لا الخطوات فقط. ومع الوقت تنتقل المؤسسة من إدارة التذاكر والمعاملات إلى إدارة زمن الحل، ونجاح المعالجة من أول تواصل، وسرعة الانتقال من المقترح إلى المنحة، واستثناءات الامتثال. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير منحنى التكلفة ووعد الخدمة معًا.

كيف يبدو التحول في التعليم العالي؟

في خدمات الطلاب، يستطيع مساعد «فوق» العمليات صياغة الردود على الاستفسارات الشائعة وفرز قائمة الانتظار. ويمكن لميزة «داخل» النظام تحسين وسم مقالات المعرفة وإمكانية الوصول في نظام إدارة التعلم. أما «تحت» العمليات فتتحول الخدمة إلى تدفق حقيقي لإدارة الحالات: تفهم واجهة الذكاء الاصطناعي نية الطالب، وتتحقق من السياسة، وتستخرج التفاصيل الأساسية من المرفقات، وتطابق المعلومات مع نظام معلومات الطلاب، وتصوغ الرد، وعندما تكون الثقة منخفضة أو تكون الحالة حساسة، تحيلها إلى مستشار مع موجز مختصر. والنتيجة إجابات أسرع، وعمليات تسليم أقل، ووقت أكبر للمستشارين لمعالجة الحالات المعقدة أو الحساسة التي يكون فيها التواصل الإنساني مهمًا.

في القبول والمساعدات المالية، يخفف استخراج المستندات في طبقة «فوق» العبء، وتساعد أدوات «داخل» النظام على كشف التكرار أو المكونات الناقصة. وفي طبقة «تحت» تتغير الرحلة كلها: تُحلل كشوف الدرجات آليًا، وتُكتشف الاستثناءات مبكرًا، وتُرسل الاتصالات في الأوقات المناسبة، وتصبح طلبات التحقق شخصية وواضحة. ويراجع الموظفون الحالات الطرفية بدل إعادة إدخال المعلومات، وينعكس الأثر على مؤشرات التحويل والتراجع عن الالتحاق والرضا.

في منظومة البحث، تساعد أدوات «فوق» الباحثين الرئيسيين وإداريي الأبحاث على استيعاب إعلانات التمويل وبناء قوائم التحقق. وتحسن خصائص «داخل» النظام توجيه معاملات إدارة الأبحاث الإلكترونية وتمنع الإغفالات. أما «تحت» العمليات فيمتد سير العمل من مسح الفرص وجمع نوايا التقديم إلى صياغة الميزانية وخطة إدارة البيانات، والمراجعات المسبقة للامتثال، وإعداد المنحة، وضوابط الإنفاق، والإقفال. تصبح السياسة مفروضة بواسطة سير العمل لا الذاكرة. ويواجه الباحثون تأخيرات ونقاط تلامس أقل، ويقضي المكتب وقتًا أقل في دفع الأوراق ووقتًا أكبر في تقديم المشورة بشأن الاستراتيجية والمخاطر.

الاقتصاديات التي تقنع القيادات ومجالس الإدارة

القيادات التنفيذية لا تشتري التقنية؛ بل تشتري النتائج. مبرر الاستثمار في طبقة «فوق» واضح: إنها أسرع طريق لتخفيف ضغط الطاقة التشغيلية ورفع المعنويات، رغم أن فوائدها موزعة ولا تنتج عائدًا ماليًا مباشرًا وصلبًا. أما مبرر «داخل» فيدور حول الجودة والسرعة داخل الأنظمة الحرجة التي تملكها المؤسسة أصلًا وتحسين الاستفادة من استثماراتها فيها. ومبرر «تحت» يتعلق بالاقتصاديات والقدرة التنافسية.

عندما يعاد بناء عملية في طبقة «تحت»، تحدث ثلاثة أمور في وقت واحد: تنخفض أزمنة الإنجاز، فيتحسن رضا الطلاب وعائد التسجيل وتقصر دورة التمويل في البحث. وتستقر تكاليف الوحدة لأن العمل الروتيني يُنجز بصورة متسقة بواسطة عاملين رقميين بدل الاعتماد على جهد يدوي استثنائي. ويضيق التعرض للمخاطر لأن السياسات تصبح مدمجة في سير العمل وتظهر الاستثناءات مبكرًا. بعد ذلك تستطيع المؤسسات ادخار الوفورات، أو إعادة توجيه الطاقة إلى أعمال أعلى قيمة، أو إعادة الاستثمار في تحسين الخدمة؛ ومعظمها يختار مزيجًا من الخيارات الثلاثة.

من المفيد صياغة حالة العمل الخاصة بطبقة «تحت» بلغة النتائج لا الخصائص. ماذا يعني أن يحصل الطالب المقبول على إجابات في الوقت الحقيقي بدل ساعات أو أيام؟ وكيف ستتغير محفظة البحث إذا قُدمت المقترحات بأخطاء أقل وبسرعة أكبر بأسابيع؟ وما قيمة نقل وقت الموظفين من مطاردة قوائم التحقق إلى تقديم المشورة في اللحظات الحاسمة؟

ما الذي يتغير بالنسبة إلى الناس؟

قد تثير عبارة «العامل الرقمي» القلق، لكن المقصود عكس الاستبدال؛ إنها إعادة توزيع واعية للجهد. يتولى الذكاء الاصطناعي أجزاء العمل المتكررة والمحكومة بالقواعد والمعرضة للأخطاء، ويركز الناس على الحكم والعلاقات والتوجيه والإشراف المسؤول. ولا ينجح هذا التحول إلا إذا تطورت الأدوار والحوافز والتدريب مع العملية. ينبغي قياس أداء المستشارين بنتائج الطلاب لا بعدد التذاكر، ومكافأة إداريي الأبحاث على تقليل الاستثناءات وتسريع التقديمات المتوافقة بدل ساعات التجميع اليدوي، وتزويد المديرين بلوحات معلومات تعكس العمل الجديد لا القديم. المؤسسات المتقدمة تعيد بالفعل كتابة الأوصاف الوظيفية وتبني مسارات مهنية تعكس قوة العمل الممزوجة هذه، أو تعيد النظر في ضرورة التوظيف البديل عند شغور الوظائف.

مسار عملي للمضي قدمًا

تتحرك المؤسسات الناجحة في ثلاث موجات يبني بعضها على بعض. الموجة الأولى للمكاسب المرئية: إطلاق عدد محدود من مساعدي طبقة «فوق» في مجالات عالية الحجم ومنخفضة التعقيد، وقياس المنافع المهمة مثل زمن الاستجابة، والحل من أول تواصل، وساعات العمل المستعادة للموظفين. والموجة الثانية لتثبيت المكاسب: تشغيل خصائص «داخل» حيث تكون المنصات جاهزة، وتحديث الإجراءات كي تستمر التحسينات. أما الموجة الثالثة فهي إعادة تركيب مسار قيمة رئيسي واحد في طبقة «تحت»، مثل خدمات الطلاب من البداية إلى النهاية، أو من مرحلة ما قبل المنحة إلى الإقفال، حتى يرى الجميع كيف يبدو سير عمل أصيل للعملية وواعٍ بالسياسات. وهذا ليس برنامج تقنية فقط، بل تغيير في نموذج التشغيل يقوده مالك منتج، وله نتيجة واضحة وإيقاع منتظم للإصدارات.

تستطيع معظم المؤسسات الوصول إلى الموجة الثالثة خلال عام إذا اختارت مسار قيمة واحدًا، وعيّنت راعيًا تنفيذيًا، وموّلت فريقًا صغيرًا مستمرًا يجمع مالكي العمليات والتقنيين وقادة التغيير. يبدأ النجاح بتركيز ضيق ثم يتوسع. والقرار الذي يسرّع كل شيء هو إدارة العمل وفق النتائج بدل الأنظمة. فعندما يكون مؤشر الأداء الرئيس هو الزمن من الاستفسار إلى الحل، أو عدد الأيام من نية التقديم إلى الإرسال، تتوحد المؤسسة طبيعيًا حول الطالب أو الباحث الرئيس، لا حول التطبيق البرمجي.

اطرح هذه الأسئلة في اجتماع القيادة المقبل

تبدأ أكثر الحوارات إنتاجية بالنتائج. أي رحلات الطلاب أو الباحثين ستتغير بصورة ذات معنى إذا خُفضت أزمنة الإنجاز إلى النصف؟ أين يعبر العمل اليوم عدة أنظمة وفرق؟ أي اللحظات تحتاج فعلًا إلى حكم شخص أو تعاطفه، وأيها لا يحتاج؟ إذا اخترتم رحلة واحدة لإعادة بنائها في طبقة «تحت»، فمن سيمتلك النتيجة، وكيف ستقيسون التقدم، وكيف ستتواصلون بشأن التغيير مع الأشخاص الذين سيتأثر عملهم؟

لا تحتاج القيادات إلى حل كل شيء دفعة واحدة. المطلوب اختيار موضع واحد للفوز، وإظهار ما تعنيه طبقة «تحت»، ثم التوسع بثقة. المكاسب المبكرة من «فوق» تبني المصداقية والتمويل، وخصائص «داخل» ترفع الحد الأدنى للأداء، وإعادة التصميم «تحت» ترفع سقف الممكن.

ابدأ من هنا

ابدأ حيث يكون الاحتكاك ظاهرًا، والمخاطر قابلة للإدارة، والاستعداد موجودًا. أثبت النتائج بسرعة باستخدام مساعدي طبقة «فوق». فعّل قدرات «داخل» في الأنظمة التي تملكها المؤسسة أصلًا، وعدّل الإجراءات كي تستمر المكاسب. ثم ضع الذكاء الاصطناعي «تحت» العمل في مسار أو مسارين رئيسيين للقيمة، وأدرهما وفق النتائج. الهدف ليس الجِدة، بل ميزة دائمة: دعم أسرع للطلاب، والتحاق أكثر صحة، ومحفظة بحثية أقوى، وموظفون ينفقون وقتهم حيث تكون قيمته أكبر.

سيمس الذكاء الاصطناعي كل ركن في التعليم العالي، لكنه لن يصنع ميزة بمفرده. الميزة تأتي من الموضع الذي تضع فيه الذكاء الاصطناعي.

«فوق» يحقق الراحة. «داخل» يحقق تحسينات كبيرة في الخطوات. «تحت» يحقق نموذج تشغيل جديدًا. المؤسسات التي تتقن هذا التدرج ستخدم الطلاب والباحثين بصورة أفضل، وتدير الموارد بفاعلية أكبر، وتنافس بثقة خلال العقد المقبل.

إعداد "منصة آفاق الأعمال": afaqb.com