استعادة الميزة البشرية

كيف يحافظ القادة على قدرات البشر في عصر الذكاء الاصطناعي، بدل أن تتحول مكاسب الكفاءة إلى تآكل صامت في الذاكرة والتفكير والحكم.
تعاون الإنسان والذكاء الاصطناعي
المصدر: مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) — سبتمبر 2026

أدوات الذكاء الاصطناعي استثنائية، ومكاسب الكفاءة حقيقية. لكن ثمة عواقب غير مقصودة وخطيرة على القدرات البشرية والإدراك. وهذه هي الكلفة الخفية لعصر الذكاء الاصطناعي: كلما فوّضنا الذاكرة والعمل والتفكير إلى الآلات، قلّ تطويرنا للقدرات اللازمة لإضافة قيمة حقيقية وتقديم التفكير الذي لا تستطيع الآلات تقديمه.

يحدث هذا التآكل على نطاق واسع، وغالبًا تحت مستوى ما تستطيع لوحات المتابعة أو مراجعات الأداء التقاطه. وحين يصبح ظاهرًا، قد يكون عكسه بالغ الصعوبة.

الاستعانة المستمرة بمصادر خارجية للعقل

تشير أبحاث إلى أن الأداء المعرفي بدأ يتراجع في بعض المناطق. فتأثير فلين، أي ارتفاع درجات الذكاء بنحو 2 إلى 3 نقاط كل عقد خلال جزء كبير من القرن العشرين، تباطأ أو توقف أو انعكس في دول مثل النرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وفي بعض مقاييس الأداء المعرفي، قد لا تعود الأجيال الأصغر تتفوق على الأجيال السابقة.

بدأ هذا التراجع قبل الذكاء الاصطناعي. فعندما سلّمنا جزءًا من ذاكرتنا لمحركات البحث في أوائل الألفية، بدا الأمر مكسبًا خالصًا لأنه حرر طاقة ذهنية لتفكير أعلى قيمة. لكن الذاكرة الخارجية لها كلفة. فالتعرف على الأنماط يعتمد على معرفة حاضرة في الذهن يمكن استخدامها لربط الأفكار. وعندما يتعين استرجاع المعرفة باستمرار من الخارج، تتأثر قدرتنا على الاستدلال وبناء الروابط بسرعة.

أظهرت أبحاث عالمة النفس في جامعة كولومبيا بيتسي سبارو، المنشورة في دورية Science، أن الناس يتوقفون عن ترميز المعلومات عندما يعتقدون أنهم يستطيعون البحث عنها لاحقًا. ويحدث التفويض تلقائيًا. وأكد تحليل تلوي نُشر عام 2024 في دورية Frontiers in Public Health حلقة تعزز نفسها: كلما بحث الإنسان أكثر، خزّن أقل؛ وكلما خزّن أقل، اضطر إلى البحث أكثر.

ومع صعود الذكاء الاصطناعي، بدأنا نفوض التفكير النقدي نفسه. ووفق نتائج أولية لدراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتقنية عام 2025، أظهر من كتبوا باستخدام نموذج لغوي كبير اتصالًا عصبيًا أقل بصورة ملحوظة في المناطق المرتبطة بالذاكرة والإبداع والانتباه مقارنة بمن استخدموا محركات البحث أو لم يستخدموا أدوات. والأبرز أن 83% لم يستطيعوا اقتباس نصوصهم التي كتبوها قبل دقائق بدقة. ووصف الباحثون ذلك بـ«الدَّين المعرفي»: الاقتراض من ذات مستقبلية تصبح أقل قدرة من الذات التي تقترض الآن.

من الفرد إلى المؤسسة

مع اندماج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، يمكن أن يتراكم التفويض المعرفي إلى تآكل جماعي للمهارات يضعف الذكاء المؤسسي والمرونة. وفي دراسة لمجموعة بوسطن الاستشارية شملت قيادات تنفيذية عليا، قال نصف المشاركين إنهم يرصدون بالفعل تراجعًا في المهارات، ويرى أكثر من 60% أنه سيشكل تهديدًا جوهريًا خلال 3 إلى 5 سنوات.

وتوضح أبحاث مجموعة بوسطن الاستشارية وكلية هارفارد للأعمال أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة قوية لتقليص فجوات الأداء؛ إذ يتحسن أداء المهنيين الأقل أداءً بدرجة كبيرة عند تزويدهم به. لكن المنافع تعتمد على طريقة الاستخدام. فعندما اعتمد المهنيون على مخرجات مقنعة دون تقييم نقدي، تراجع الأداء. زاد الذكاء الاصطناعي السرعة، لكنه لم يزد جودة الحكم.

المشكلة الجوهرية هي أن الاعتماد الشامل على هذه الأدوات يزيل فرص اكتساب المهارات اللازمة لإضافة القيمة بوصف الإنسان جزءًا من الحلقة. وإذا تُرك الأمر دون ضبط، فقد ينشأ مسار دائري يسرّع تآكل القدرات.

انهيار الانتباه

إلى جانب تفويض الذاكرة والتفكير، تتدهور قدرة أخرى: الانتباه المستدام. وجدت الأستاذة غلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا في إرفاين أن متوسط الوقت الذي يقضيه الناس على شاشة قبل الانتقال إلى مهمة أخرى هبط من دقيقتين ونصف في 2003 إلى 47 ثانية فقط في 2023.

وفي الوقت نفسه، تراجع وقت القراءة للمتعة. وجدت الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم أن 84% من الأمريكيين يقرأون 5 دقائق أو أقل يوميًا، وأن 9.5% فقط من الشباب بين 15 و24 عامًا يقرأون أكثر من 20 دقيقة يوميًا. كما أفاد الصندوق الوطني للفنون بأن القراءة الأدبية تراجعت من 45.2% من البالغين في 2012 إلى 37.6% في 2022، وهو أدنى مستوى خلال 30 عامًا من بيانات المسح.

وهذا مهم لأن القراءة لا تنقل المعلومات فقط. فالقراءة المطولة تمرين يبني الاستدلال المجرد، والتفكير بالقياس، والقدرة على الاحتفاظ بحجج معقدة متعددة الخطوات في الذهن. وفي المقابل يتزايد استهلاك الفيديو بصورة سلبية؛ محتوى محسّن خوارزميًا ومصمم للمشاهدة أكثر من المعالجة. تجربة الدماغ الذي يقرأ تختلف عصبيًا عن تجربة الدماغ الذي يشاهد: أحدهما يتمرن، والآخر يستريح.

وجود الإنسان في الحلقة يحتاج إلى منحنى خبرة

الاستجابة المؤسسية المعتادة لمخاطر الذكاء الاصطناعي هي إبقاء الإنسان في الحلقة: شخص يراجع المخرجات، ويلتقط الأخطاء، ويضيف الحكم البشري. لكنه مبدأ يتضمن افتراضًا معيبًا: أن من يتولى الرقابة يمتلك المعرفة والانتباه والثقة اللازمة للتدخل.

في البيئات عالية الأتمتة، عندما تعمل الأنظمة بصورة موثوقة لفترات طويلة، تقل فرص المشغلين البشر لممارسة الأحكام الصعبة المطلوبة عند وقوع خلل. وفي الأزمة قد يظلون رسميًا «داخل الحلقة»، لكن النظام يعتمد حينها على قدرات لم تُمارس بما يكفي كي تبقى حادة.

وينطبق الخطر نفسه على المؤسسات التي تبني سير عمل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. فالنظام الذي يولد توصيات استراتيجية أو تحليلات مالية أو تفسيرات قانونية أو تشخيصات طبية لا يكون آمنًا إلا إذا كان الإنسان الذي يراجعه قادرًا بالفعل.

الرقابة نفسها قد تستنزف القدرة المعرفية

وجدت أبحاث حديثة لمجموعة بوسطن الاستشارية أن الإشراف المكثف على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق حملًا معرفيًا زائدًا: العاملون الذين راقبوا المخرجات وقيّموها عن قرب أبلغوا عن جهد ذهني أعلى بنسبة 14%، وإرهاق ذهني أعلى بنسبة 12%، وحمل زائد من المعلومات أعلى بنسبة 19% مقارنة بمن كانت مسؤولياتهم الرقابية أقل كثافة.

تتطلب الرقابة البشرية الفعالة معرفة عميقة بالمجال، وتفكيرًا نقديًا، وحكمًا سياقيًا لاكتشاف الهلوسات، وتحدي الافتراضات، ورؤية ما أغفله الذكاء الاصطناعي. ومن دون قدرات متمرَّسة، واستقلالية، وطاقة معرفية، وسلطة فعلية لمعارضة الآلة، قد تصبح الرقابة البشرية مجرد طمأنة إجرائية.

أربع طرق لعكس مسار التراجع

الحل ليس مقاومة التقنية، بل ضمان أن يبقى البشر الذين يعملون إلى جانبها قادرين فعلًا على الرقابة وإضافة القيمة. وبالنسبة إلى القيادات التنفيذية ومجالس الإدارة، تبرز أربع توصيات:

وفّر التكرارات التي تبني الخبرة

كان النموذج المؤسسي التقليدي يفترض أن الناس يبنون الحكم عبر التعرض المتكرر لأعمال معرفية تزداد صعوبة. والذكاء الاصطناعي يزيل كثيرًا من المهام الروتينية التي كانت توفر تلك التكرارات. لا يزال منحنى الخبرة قائمًا، لكن المؤسسات لم تعد تستطيع افتراض أن الموظف سيصعده تلقائيًا بمجرد أداء الوظيفة.

يحتاج القادة إلى خلق فرص مقصودة تجعل الموظفين يتعاملون مع المشكلات الصعبة، ويتخذون القرارات، ويتلقون التغذية الراجعة، ويتعلمون من النتائج. الهدف ليس الإبقاء على عمل يستطيع الذكاء الاصطناعي أداءه بصورة أفضل، بل الحفاظ على الخبرات التي يبني البشر من خلالها الحكم والخبرة اللازمين لإضافة قيمة إلى جانبه.

أعد ابتكار التعلم حول الانغماس لا التلقين

ثمة حقيقة محرجة: الجيل الذي يُقال إنه لا يستطيع التركيز يمكنه الحفاظ على تركيز شديد لساعات داخل لعبة فيديو. التحدي هو نقل مستويات مماثلة من الانخراط والمتعة والمكافأة إلى التعلم الصفي والمؤسسي.

يتطلب ذلك قرارات وتكرارًا وتغذية راجعة ذات نتائج محسوسة بدل التلقي السلبي. وليس المطلوب تحويل كل شيء إلى لعبة، بل فهم سبب قدرة الألعاب على الاحتفاظ بالانتباه، ثم إعادة بناء التعليم والتدريب حول مبادئ مشابهة: امتلاك المتعلم لدوره، وتحدٍّ يتناسب مع مهارته، وتغذية راجعة فورية، ورهانات تبدو حقيقية.

انتقل إلى القيمة التي يصعب حقًا تقليدها

الميزة البشرية ليست موقعًا ثابتًا؛ إنها حدود تتحرك بسرعة. فالعمل التكراري يجري أتمتته، والعمل القائم على مطابقة الأنماط يسير في الاتجاه نفسه. وما يبقى قابلًا للدفاع عنه مجموعة أضيق وأكثر تطلبًا من القدرات: التعاطف الحقيقي والاتصال الإنساني الذي يبني الثقة، والمخاطرة الاستراتيجية التي تراهن على مستقبل غير بديهي وتتحمل الغموض، والابتكار الجديد فعلًا على العالم؛ أي القفزة الإبداعية التي تصل بين مجالات بطرق لم تتنبأ بها بيانات التدريب.

هذه ليست «مهارات ناعمة»، بل من أصعب القدرات بناءً وقياسًا وتقليدًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، لأنها تقوم على عقل بشري متمرّس وغني بالخبرة.

ضاعف الاستثمار في العالم المادي

قد تكون أكثر القدرات القيادية التي لا تحظى بالتقدير الكافي هي أيضًا الأصعب استبدالًا: الذكاء المتجسد الناتج من الحضور الفعلي في العالم. المفاوض الذي يقرأ الغرفة، والقائد الذي يدرك أن شيئًا ما ليس على ما يرام قبل أن تقوله البيانات، والمسؤول التنفيذي الذي يبني الثقة بالحضور لا بالمخرجات فقط.

هذه ليست بقايا من الماضي، بل أمثلة على ميزة بشرية ترتفع قيمتها كلما انتقل مزيد من العمل المعرفي إلى الآلات. والمؤسسات التي تستثمر في إتقان التعامل مع العالم المادي والحكم المتجسد تبني قدرة في مجال لا يستطيع الذكاء الاصطناعي دخوله.

الحفاظ على القدرة البشرية

الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل طريقة إنجاز العمل فحسب، بل يعيد تشكيل الكيفية التي تتطور بها القدرة البشرية نفسها. وهذا يخلق خطرًا تأسيسيًا على قدرة البشر على إضافة قيمة مميزة وصناعة ميزة ذات معنى.

ولمواكبة هذه التحولات، يحتاج كل قائد إلى إعادة التفكير في كيفية تنمية الحكم والأصالة والاتصال الإنساني لدى الجيل القادم. المطلوب هو الحفاظ على القدرات البشرية اللازمة ليس فقط لمنح التقنية اتجاهها، بل أيضًا لوضع حدودها.

شعار آفاق
إعداد "منصة آفاق الأعمال": afaqb.com